الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

139

شرح ديوان ابن الفارض

الثاني أن التقدير ذاك لأجل أن صافحت ريّان الكلا . والكلا في الأصل مهموز وإن كان في البيت مخفّفا وهو عبارة عن العشب رطبه ويابسه ، وإضافة ريّان إلى الكلا من إضافة الصفة إلى الموصوف ، وتحرّشت بكسر التاء خطابا للصبا عطفا على صافحت . ( ن ) : تحرش واحترش بالشيء تصدّى له وقصده ، أي ذاك الشذا حصل لأنك صافحت العشب الريّان ، ولأنك تحرّشت بحوذان جوانب الوادي ، والحوذان بحاء مهملة وذال معجمة نبت . والكليّ بضم الكاف وفتح اللام وتشديد الياء تصغير كليّ بكسر الكاف « 1 » . وكلا الوادي جوانبه . قوله فلذا تروي لأجل مصافحتك العشب الرّيّان ولأجل تحرّشك بنبت جوانب الوادي . تروي صاحب العطش وهو بضم التاء من أروى الماء العطشان . قوله وتروي بفتح التاء من رويت الحديث أرويه عن فتاة الحيّ متعلق بتروي الثاني . وحيّ : صفة حديثا والوقف عليه لغة ربيعة . ( ن ) : وهي بمعنى الحق . قال في القاموس : لا يعرف الحيّ من الليّ ، أي لا يعرف الحق من الباطل . اه . وإنما أتينا بالأبيات الثلاثة لأن بعضها متعلق ببعضها ومعانيها كذلك ، وهي متعلقة بمعنى واحد لأن الخطاب في أي صبا لريح الصبا . وكذلك الخطاب في فلذا تروي لها أيضا . والمعنى : أيتها الصبا ما هذا والميل والمحبة التي قد ثار لنا منك في وقت السحر من أين لك هذه الرائحة الطيبة ، ما أرى ذاك حصل لك إلا بمصافحتك وملاصقتك العشب الرّيّان ، وبسبب تحرّشك بالنّبت الموجود بجوانب الوادي ، ولأجل المصافحة والتحرّش المذكورين يحصل منك أيتها الريح ريّ العطشان ورواية أخبار الحبائب . وفي الأبيات الجناس التام بين صبا وصبا ، والتجانس أيضا بين أي وأيّ ، وفيها المناسبة بين المصافحة والتحرّش ، وفيها التجانس بين كلا وكليّ ، والجناس المحرّف بين تروي وتروي . ( ن ) : وفيها اللّفّ والنشر المرتّب في قوله تروي وتروي ذا صدى وحديثا . اه . وفيها الطّباق بين الرّيّ المفهوم من تروي والعطش الذي هو الصدا ، وفيها المناسبة بين الرواية والحديث ، وفيها التجانس بين الحيّ وحيّ في آخر البيت .

--> ( 1 ) قوله بكسر الكاف في القاموس كلية كسمية في موضع فيكون قد رخمه للضرورة وبه تعلم ما فيه . اه .